*موريتانيا وحدة المصير في مواجهة الأنواء وعواصف الإقليم*
إن المتأمل في النسيج الاجتماعي لبلدنا يدرك أننا أمام لوحة فسيفسائية نادرة، حيث تلاقت عبر العصور أعراق وقوميات (عرب، بولار، سونينكي، وولوف) على أرض واحدة. هذا التنوع ليس مجرد معطى ديموغرافي، بل هو العمود الفقري لهويتنا (موريتانيا)، وهي اليوم تواجه اختباراً حقيقياً يتطلب استحضار الحكمة والمسؤولية التاريخية.
فمن التعايش العفوي حتى الاندماج المؤسسي أثبتت الوقائع التاريخية أن قوة الموريتانيين كانت دائماً في تلاحمهم عند الأزمات. إن “المدرسة الجمهورية” التي تم إطلاقها مؤخراً ليست مجرد مشروع تعليمي، بل هي استحضار لوقائع تاريخية أثبتت أن الجلوس على مقعد دراسي واحد هو الكفيل بمحو رواسب الطبقية والعرقية.
فالجهود المبذولة (العدالة التصالحية) في ملفات مثل “الإرث الإنساني” وتسوية وضعية المظالم التاريخية، تمثل خطوات عملية لإغلاق ثغرات قد ينفذ منها دعاة الفرقة. إن الاعتراف بالخطأ وجبر الضرر هما أقصر الطرق لبناء ثقة متبادلة بين كافة المكونات.
فمن خلال برامج الحماية الاجتماعية (مثل “تآزر”)، تبرز الدولة كراعية للجميع (التكافل الاقتصادي)، مؤكدة أن التنمية لا تستثني أحداً بناءً على لونه أو عرقه، وهي واقعة ملموسة تساهم في تثبيت أركان السلم الأهلي.
تمر منطقتنا (الساحل والصحراء) بمرحلة هي الأخطر في تاريخها الحديث، حيث تعصف بها النزاعات المسلحة، والانقلابات، وتنامي الحركات المتطرفة (موريتانيا في عين العاصفة)، فضلاً عن الصراعات الدولية على النفوذ. هذه التجاذبات ليست بعيدة عن حدودنا، وهي تفرض علينا تحديات جسيمة.
تحاول بعض الأجندات الخارجية استغلال التنوع العرقي في موريتانيا لتأجيج صراعات “هوياتية” تخدم مصالحها (مخاطر الاختراق)، مما يجعل من تماسكنا الداخلي خط الدفاع الأول قبل العتاد العسكري.
إن عدم الاستقرار في الجوار يضع ضغوطاً ديموغرافية وأمنية على موريتانيا (أزمة اللجوء والنزوح)، ولا يمكن مواجهة هذه الضغوط إلا بجبهة داخلية موحدة ترفض الانجرار وراء خطابات التخوين أو الإقصاء.
في ظل السباق العالمي نحو الموارد (الغاز والمعادن)، تصبح الدولة الهشة إجتماعياً لقمة سائغة للأطماع الدولية. لذا، فإن الوحدة الوطنية هي “الدرع السيادي” الذي يحمي ثرواتنا من أن تصبح وقوداً لتجاذبات القوى الكبرى. فاللحمة الاجتماعية هي صمام أمان ضد “الشعبوية”.
إذ نشهد اليوم تنامياً لخطابات شعبوية عابرة للحدود، تعزف على أوتار المظلومية العرقية أو التفوق الفئوي. فالتصدي لهذا الفكر لا يكون بالمنع فقط، بل بتقديم نموذج وطني بديل يعلي من شأن “المواطن” لا “المكون”.
“إن استقرار موريتانيا وسط محيط مضطرب ليس صدفة، بل هو ثمرة وعي شعبي يدرك أن سفينة الوطن إذا خرقت من جانب، غرق الجميع بلا استثناء.”
فالتمسك بالوحدة الوطنية اليوم ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً للمناسبات، (نكون أو لا نكون) بل هو قرار مصيري. إن التحديات التي تحيط بنا تتطلب منا تحويل التنوع إلى “كتلة حرجة” من الكفاءات والطاقات.
فموريتانيا القوية هي تلك التي يرى فيها “البولاري” و”العربي” و”السونينكي” و”الولوفي” أنفسهم شركاء في البناء، وحراساً للحدود، وصناعاً للمستقبل، في ظل دولة تحمي الجميع وتتسع للجميع.
عبدالرحمن ولد الشافعي
موريتانيا كوم إنفو موقع إخباري موريتاني مستقل